حسن بن عبد الله السيرافي
172
شرح كتاب سيبويه
لقاءك وحريص الإحسان إليك ، وإنما لم يجز في المصدر المحض ما جاز في " أن " لأن " أن " ؛ وما بعدها من الفعل وما يتعلق بالفعل من فاعل أو مفعول بمعنى المصدر وطال فجوزوا حذف حرف الجر منها لطول الكلام . ومن ذلك قولهم : رأسه والحائط ، كأنه قال : خلّ رأسه مع الحائط ، وقولهم : شأنك والحجّ ، كأنه قال : شأنك مع الحج ، ومن ذلك امرأ ونفسه ، كأنك قلت : دع امرءا مع نفسه ، فصارت الواو في معنى مع كما صارت في معنى مع : في قوله ما صنعت وأخاك ) . لأنه إذا حذف " مع " وهي منصوبة قام ما بعد الواو مقامها في النصب . وقد ذكرنا نحو هذا في غير هذا الموضع . قال سيبويه : ( وإن شئت لم يكن فيه ذلك المعنى وهو عربيّ جيد ) . يريد إن شئت لا تقدر " مع " وجعلت كل واحد منهما منصوبا بالفعل ، وعطفت أحدهما على الآخر أدّى معنى " مع " وإن لم يكن مقدرا بلفظه ، كأنه قال : عليك رأسك وعليك الحائط ، وكأنه قال : دع امرأ ودع نفسه ، وليس ينقض هذا ما أردت في معنى " مع " من الحديث ، ومثل ذلك " أهلك والليل " كأنه قال بادر أهلك قبل الليل " . وتحقيق المعنى في ذلك أنه عطف الليل على الأهل وجعلهما مبادرين ، ومعنى المبادرة : مسابقتك الشيء إلى الشيء كقولك : بادرت زيدا المنزل ، كأني سابقته إليه ، فكأن الليل والرجل المخاطب يتسابقان إلى أهل الرجل ، فأمره الآمر أن يسابق الليل إليهم ليكون عندهم قبل الليل . وقال : ( قال بعض العرب : " ماز رأسك والسيف " كما تقول : رأسك والحائط وهو يحذّره كأنه قال : اتق رأسك والحائط ) . وقولهم : " ماز رأسك والسيف " كثير من النحويين يقولون : إنه أراد ترخيم مازن فلم يكن اسم الرجل الذي خوطب بهذا مازنا ، ولكنه كان من بني مازن بن العنبر بن عمرو بن تميم وكان اسمه كدلما أسر بجيرا القشيريّ ، فجاءه قعنب اليربوعيّ ليقتله ، فمنع المازني منه ، فقال للمازنيّ : ماز رأسك والسيف ، وترخيمه على أحد وجهين : إمّا أن يكون سمّاه بمازن ؛ إذ كان من مازن ، وقد تفعل العرب مثل هذا في بعض المواضع ، كقولهم : " الأشعرون " يريدون الأشعريون ، جعلوا كل واحد منهما مسمّى بالأشعر الذي هو اسم جد ، ثم ترخّمه على ذلك .